لا تخف يا رجل
العيون تنظر الى الجيل الصاعد، جيل الشباب المثقف الثائر، على التقاليد البالية، والعادات المهترئة.
العيون تنظر، والقلوب حيرى!
قلوب آبائنا الذين درجوا على تقاليد اجدادهم، فنشأوا عليها، وارادوا ان نحذو حذوهم، فنسير نحن ايضاً على الطريق التي ساروا عليها.
ولكن لا.. واشدد على هذه الكلمة، لأن شباب اليوم قد ملّ تلك السخافات التي تحرّم على الشاب محادثة الفتاة حتى ولو كانت اقرب الناس اليه.
السخافات التي تمنع الفتاة من مغادرة منزلها الا برفقة الطابور الخامس: امها وابيها وجميع اخوتها واخواتها، وعمومتها وعماتها الى آخر المعزوفة. ومن يدري فقد تعجز ساحة التلّ في طرابلس من استيعاب هذا الحشد الهائل من الاقارب.
شباب اليوم، خلقوا لمؤازرة بعضهم البعض، ولتشبك الفتاة يدها بيد الشاب وتقول له: لا تخف يا رجل ما دمت بجانبك.
**
اليأس خطيئة
كلما مررت في مكان ما، أرى الناس تحدّق بي بأعين ملؤها الحقد والكراهية، فأحتار في أمري وأتساءل:
ـ ترى، ماذا فعلت لهؤلاء الناس؟
هل قتلت آباءهم؟
هل سلبتهم نعمة أتتهم من عند الله؟
كلاّ.. وألف كلاّ، فانا ارفع من هذه السخافات الدنيئة! ولكن لماذا؟ لماذا.. كنت اصرخ كلما اختليت بنفسي.
وذات يوم، وبعد أن ضيّقت عليّ أعين هؤلاء المتسكعين صرح الحياة، وجعلتني احس بشيء من النفور والتخاذل واليأس، لجأت الى أمي، واستشرتها بأمري، وكيف يمكنني التخلص مما أنا فيه، فقالت:
ـ لا بأس يا ولدي، فالانسان الذي يصبح عرضة لحقد الآخرين يكون قد اكتمل كلياً. لذا وجب عليك أن تتباهى، وأن تسعد وتهنأ، وأن لا تدع اليأس يتسرّب الى نفسك، فاليأس، يا ولدي، خطيئة.
**
أحبك..
كانت كلما التقيتها، تنفر مني، وتشيح بوجهها عنّي،.
ـ ما بها هذه الفتاة؟ كنت أتساءل دائماً.
وذات يوم، وبينما هي مارة من أمامي، وقفت في طريقها، وقلت:
ـ إسمعي يا فتاتي.. فلقد حيّرت امري، وشغلت بالي، بربك ماذا فعلت معك لتعامليني هذه المعاملة السيئة، وكانني عبد حقير فرّ من جور سيده؟
فأجابت وعيناها متجهتان نحو الأرض:
ـ لا أدري، أرجوك، دعني أكمل سيري.
ـ لا لن أدعك تكملين سيرك ما لم تخبريني كل شيء.
فتمتمت بصوت منخفض:
ـ إني أحبك..
ـ ماذا؟!
ـ أجل أحبك.. وأخاف أن تعاملني كجارية مكبلة بسلاسل أنانيتك..
ـ ولماذا لم تخبريني؟
ـ لأني أخاف منك، من سطوة رجولتك، فأنتم معشر الرجال ما أن تقع الفتاة بحبكم حتى تعاملوها بقسوة، وتستبدوا بها، وتسخروا منها ومن عواطفها، لذلك تراني أهرب منك. أهرب.. وطيفك لا يفارقني لحظة واحدة.
**
جرأة أدبية
عندما يمسك الكاتب قلمه ليخط مقالاً، أو أقصوصة، أو قصيدة شعرية، تتملكه جرأة غريبة نقدر أن نسميها سيطرة شبه قابضة، أو وحياً انتقالياً، مرده عدم التفكير الا بالشيء الذي يجول بخياله.
بالطبع، هناك كتّاب كثر، يتجاهلون، لا بل يخافون هذه الظاهرة العجيبة، فيبيعون افكارهم بالسوق، كما تباع الأواني الزجاجية، وحاجيات المنزل، وهؤلاء هم الطفيليون في الادب.
مجال العلم والادب ساحة وغى، تدور في ارجائها معارك عنيفة، سيكون الأشجع هو الفائز المنتصر عند انقشاع الغبار.
فالكاتب الذي يرى بلاده تسرق، وتحرق، وتنقاد انقياد النعجة الى المقصلة، دون ان يحرك ساكناً، يكون قد شارك في ذبحها. لذا، وجب عليه ان يتحلى بالجرأة، ليكتب مستنجداً الضمائر الحية على التعنت، والارادات القوية على التخنث، وليمتشق قلمه كالسيف، ملوحاً به، كالفارس، أمام أعين الجميع، وليصرخ غير عابىء:
ـ أنتم سرقتم.. أنتم لصوص.
فالبلاد تدعوه لأن يضحي بنفسه، كي تسلم هي من الخراب، ويهنأ الشعب.
الكاتب، جندي ميدانه القلم، فالويل، الويل لجندي رعديد خائف، والنصر لمن يتحلى بالشجاعة.
الجرأة الأدبية، هي البطولة بحد ذاتها، وإن لم تصدقوني، سلوا عبر الأزل محمد المحمصاني، وعمر حمد، وسعيد عقل.. وباقي شهداء الوطن.
**
آيات وصور
أهداني صديقٌ كتاب "آيات وصور" للأديب اللبناني سعيد عقل، ولمّا فتحته، وقلّبت صفحاته، سألت صديقي:
ـ بأية لغة كتب؟ يظهر أنها لغة غريبة عنّا.
فأجاب:
ـ لا.. لا.. انها لغتنا، لغة العالم.
ـ لم أفهم..
ـ كتب باللغة الفينيقية. ألله على عصر الجدود الأقدمين.. ركبوا البحار، وجابهوا الأخطار، ليتلمذوا الأمم، واليوم، وبعد انقراض لغتهم الأممية، جاء سعيد عقل لينفض عنها الغبار، ويعيد الى عروقها دم الحياة.
ـ وهل سيتم هذا؟ هل سيتمكن من تحقيق حلمه؟
ـ من يدري؟ فاللبنانيون قادرون على فعل كل شيء، حتى على بعث فينيقيا من جديد.
ـ لاتخف.. سأكتب عنه لا محالة.
ـ وبأيّة لغة؟
ـ باللغة التي كتب فيها سعيد عقل أجمل كتبه. العربية طبعاً.
وما أن نطقت كلمة "العربية"، حتى طار صديقي، وطار الكتاب معه.
الدبور ومعظم الصحف والمجلات اللبنانية، 1969
**