يحتوي هذا الكتاب على الجزء الأول من مقالات الشاعر شربل بعيني التي نشرها في لبنان والعالم العربي وأستراليا

رسالة مؤلمة

".. أنت من أنت؟، سوى سحابة صيف مرت في أجواء قلبي دون أن تمطر، دون أن تترك أي أثر، غير ذكرى مضحكة، ذكرى كلام حفظته من كثرة الترداد، وحركات ارتسمت في خيالي جرّاء تمثيلي المتواصل لها.

أجل كنت أمثل، وقد صدقت تعابير وجهي الكاذبة، صدقت دموع عينيّ الشاحبة، رسمتك آلهة ولكن خطوط الرسم كانت من ماء، فما كادت تظهر حتى تبخرت وتبخّر معها كل شيء.."

ـ مستحيل.. مستحيل

صاحت سلمى بصوت عالٍ، وأخذت تركض هائمة على وجهها في الحقول، والذكريات تمر عبر اللاوعي، فترسم أمام بصرها الزائغ صوراً شبه واضحة.

هنا، قرب هذه الساقية الرقراقة كانا يجلسان معاً، في صمت مطبق، ويداه تطوقان عنقها بنشوة عارمة ساذجة.

وهناك، حيث الرابية المشرفة على البحر، كانت لهما ذكريات رائعة. هناك، تذكر جيداً، كتب على كفيّ يديها مطلع أغنية تقول:

غفوت على حجر

يقال انه نيزك..

شممت رائحته: عنبر

ذقته، فما وجدت له طعماً،

وعندما استيقطت وجدت رأسي

على زندك يا حبيبتي.

وفجأة، توقفت عن الجريان، وأخذت تلتفت حولها كاللبوة الجائعة، إلى أن وقع بصرها على سنديانة شامخة، فأسرعة نحوها، وهي تصر على أسنانها وتصيح:

ـ أنت، أنت السبب في ذلك، لعنة الحطاب عليك، ليتك تيبسين فيقطعك، ويطعم النار فروعك، .

ثم التفتت الى الصخرة القابعة عند جذع السنديانة، وراحت تبصق عليها وتقول:

ـ أنت يا صخرة الشؤم، يا مقعدنا المفضل، سيأكلك الغبار، وتحيك العناكب غطاءك، لن تري وجهينا بعد اليوم، كلٌ راح في طريقه إلا أنتِ.

وما أن أتمت عبارتها هذه، حتى أجهشت بالبكاء والعويل، ومن غير إدراك فتحت يدها المطبقة، فوقعت الرسالة على الارض. حاولت أن تلتقطها ، ولكن الريح حملتها فجأة، وطارت بها الى البعيد البعيد، مشبعة بنظر فتاة حزينة.

ـ سلمى..

أجفلت لدى سماع صوته، وتمتت بذهول:

ـ من؟ سامي..

ـ أجل، سا..

فقاطعته مذعورة:

ـ لا، لا، مستحيل..

ـ هذه يدي إلمسيها، ما بك جامدة، سلمى، سلمى، يا إلهي لقد أغمي عليها، سلمى، أفيقي يا سلمى.

ـ سامي..

ـ يا حياتي..

ـ قل إنني في حلم..

ـ بل أنت في يقظة، تعالي نجلس على هذه الصخرة.

ـ الصخرة!

ـ ولنتفيأ في ظل هذه السنديانة..

ـ السنديانة!

ـ تعالي لأخبرك حكاية الرسالة.

ـ أرجوك، دعنا منها يا سامي.

ـ أردت أن أكتشف مدى حبك لي، فأرسلت لك تلك الرسالة مع أخي الصغير، ورحت أحصي حركاتك، ولما فضضت الظرف رأيتك ترتجفين، وتركضين نحو الراوابي الخضر، فتتبعت خطاك..

ـ آه، لقد أتعبتني..

ـ ومن خلف الصخور رحت أراقبك دامع العينين..

ـ وبعد؟

ـ ولما وجدتك في حالة يرثى لها، أدركت مدى الذنب الذي اقترفته..

ـ بالعكس يا سامي، فالحب بلا مداعبات وإن كانت مؤلمة، يظل كالقلب الذي ينبض وهو خالٍ من الدم.

ـ إذن، فأنت راضية..

ـ كل الرضى..

ـ سلمى..

ـ حبيبي..

ـ أنت القمر الذي استمد منه نور حياتي..

ـ وانت الحلم..

ـ أنا؟

ـ الحياة بدونك علقم..

ـ آه، كم أود لو أغزل شلحتك من ضوء الصباح، وأغفو كالطفل الصغير بين ذراعيك.

فابتسمت سلمى وقالت:

ـ نم، ولا تخشى شيئاً، فالزند الذي تغزلت به ما زال يحن لطوية عنقك.

**

مجلة ألف ليلة وليلة البيروتية، العدد 102، 21 تموز 1968